عجز الكفيف عن
الرؤية يجعله في مستوى الخبرات التي يحصلها عن العالم الذي يعيش فيه دون مستوى
المبصر فهو بحكم هذا العجز لا يدرك من الأشياء التي تحيط به إلا الإحساسات التي
تأتيه عن طريق الحواس التي يملكها، بمعنى أنه في مجال الخبرة لا يعتمد على البصر،
بل على الحواس الأربع الباقية وهى: اللمس والسمع والذوق والشم. فيعتمد على حاسة
اللمس في إدراك الحجوم والأشكال، و شتان بين ما تؤديه حاسة البصر في هذا الميدان وبين ما تؤديه حاسة اللمس، لأن مدى ما تطلع عليه العين يفوق كثيرا ما تستطيع حاسة
اللمس أن تدركه، علاوة على أن حاسة اللمس لا تستطيع إدراك المسافات البعيدة كالعين
أو إدراك الحجوم الكبيرة والألوان أو الأشياء المؤذية التي إذا لمسها الكفيف تعرض
من لمسها إلى الأذى. ويتاح للكفيف بحاسة السمع تقدير المسافات وذلك بالربط بينه وبين الصوت الصادر عنها، إلا أنه يعجز عن إدراك طبيعة محدث الصوت. ويستطيع الكفيف
أخيرا بواسطة حاسة الشم أن يعرف الأماكن إذا ما كانت مقترنة في ذهنه بروائح معينة.
ولهذا كان الكفيف في مجال الإدراك أقل حظا من المبصر، والعالم الذي يعيش فيه عالم
ضيق محدود لنقص الخبرات التي يحصل عليها سواء من حيث النوع أو المدى.
وفي مجال الحركة، لا يستطيع الكفيف أن يتحرك بنفس السهوله والخفة والمهارة التي
يتحرك بها المبصر، ولذا كانت حركة الكفيف تتسم بالكثير من الحذر واليقظة حتى لا
يصطدم بعقبات أو يقع على الأرض نتيجة تعثره بشيء ما أمامه. ولذلك كانت حاجة الكفيف
إلى الرعاية والمساعدة خارج البيت الذي يألفه، و يعتاد الكفيف أحيانا على قبول
المساعدة من الآخرين حتى ولو كان قادرا على الإستغناء عنها، فيصبح بذلك أميل إلى
الإعتماد على الآخرين في قضاء حاجته. وقد يتخذ الكفيف موقفا مغايرا من المساعدة
التي تقدم إليه، فيرفضها.
وجدير بالذكر أن الحركة التي ينتقل بها الطفل المبصر من مكان إلى آخر، إنما تحمل
أهداف الإستكشاف والتعرف والإستزادة من الخبرات. والطفل الكفيف يعجز عن مثل هذا،
لأنه حتى ولو جازف في الحركة بقصد الإستكشاف فإن ما يحصله من خبرات أقل بكثير مما
يحصله الطفل المبصر بنفس المجهود. وعلى هذا فالحركة ليست مجرد الإنتقال من مكان إلى
مكان بقدر ما تتضمنه من تفكير وربط علاقات بين الأشياء والأماكن المختلفة التي
يتحرك فيها الطفل.
و إذا ما أراد الطفل الكفيف أن ينتقل من مكان إلى مكان، فإنه يتوسل بكل حواسه،
فبواسطة حاسة الشم يمكنه تمييز الروائح المختلفة التي يمر بها، ويتحسس الأرض
بقدميه أثناء سيره ليعرف موطىء قدميه، وقد يستخدم عصى تساعده في انتقاله ليتحسس
بها ما أمامه، وبواسطة حاسة السمع يستطيع تمييز الأصوات ويستخدم التقدير الزمني
لقياس المسافات. ومعنى هذا أن الكفيف يبذل طاقة وجهدا كبيرين أثناء انتقاله تفوق
بكثير ما يبذله الطفل المبصر، مما يؤدي إلى أن يكون أكثر تعرضا للإجهاد العصبي، والشعور بعدم الأمن وخيبة الأمل التي ربما تسبب له التوتر وربما تؤثر على صحته
النفسية.
وتلعب البيئة التي يعيش فيها الطفل الكفيف دورها في نمو شعوره بعجزه، وهو دور
يتراوح بين المواقف التي تغلب عليها سمات المساعدة والمعاونة المشوبتين بالإشفاق وبين المواقف التي تغلب عليها سمات الإهمال وعدم القبول. وتقع بين هذين الطرفين
المتطرفين المواقف المعتدلة التي تغلب عليها سمات المساعدة الموضوعية التي تهتم
بتنظيم شخصية الكفيف لتنمو في اتجاهات استقلالية سليمة. وتترتب على تلك المواقف
الاجتماعية المختلفة إزاء الكفيف ردود أفعال تصدر عنه، وعلى أساس هذه الردود يتم
الحكم فيما إذا كان الكفيف متكيف مع البيئة أم لا.
والكفيف يرغب في الخروج من عالمه الضيق والاندماج في عالم المبصرين، وحتى يستطيع
ذلك، فهو محتاج إلى الاستقلال والتحرر، ولكنه حينما ينالهما يصطدم بآثار عجزه التي
تدفعه مرة أخرى إلى عالمه المحدود.إنه يشعر عندئذ بعجزه، فهو لا يستطيع الحركة
بحرية، ولا يستطيع السيطرة على بيئته كما يسيطر عليها المبصر، كما أنه لا يستطيع
إدراكها كما يدركها المبصر. وينشأ عن هذا أن يقع في قلق مستمر. فهو قلق من الحوادث
التي قد تقع له إذا ما حاول ممارسة حريته واستقلاله. وهو لذلك محتاج إلى الرعاية
التي تولد عنده الشعور بالأمن. وقد تتوفر للكفيف الرعاية الموضوعية اللازمة، فينشأ
في اتجاهات الشخصية السليمة، إلا أنه قد يحرم منها نتيجة المواقف التي يقفها منه
الأبوان أو الأتراب وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أهمية الأبوين والأسرة في مساعدة
الكفيف وتنمية قدراته منذ بداية نشأة الطفل الكفيف من حيث تدريبه على المهارات والاستعانة بحواسه بشكل صحيح وإعطاءه الثقة والاستقلالية وعدم الاعتماد على الغير
في كل أموره فإن هذا سوف ينعكس على شخصيته ويعطيه الجرأة وينزع منه الخوف والانعزال.
وإذا لم تبادر الأسرة على معالجة هذا الأمر ومساعدة الطفل الكفيف في تنمية قدراته
وجعله اتكاليا في جميع أموره يعتمد عليها في الأكل واللبس والمشي وقضاء جميع
حاجاته ولم تبادر إلى تثقيفه وتزويده بالمعلومات التي لا يدركها إلا المبصر عن طريق
العين، فإن الطفل الكفيف سوف يعاني من الخوف ويشعر بالعجز وقد تنبني شخصيته
مستقبلا في هذا الإطار من الانطواء والانعزال والخوف.
ويأتي دور المدرسة في تدارك ما تم الإغفال عنه في تنمية قدرات الطفل الكفيف وتزويده بالمهارات وتتظافر جهود المعلمات والمشرفات مع معلمة الحركة المختصة في
هذا المجال لتأدية هذه المهام والتي تنحصر في مجالات عديدة أهمها:
- التدريب الحركي في مجالات تعليم السير بمفرده أو مع شخص مبصر ومهارات السير
في الشوارع أو المنزل واستعمال العصى، وفي هذا المجال يتدرب الكفيف على كيفية
المرور في الممرات الضيقة والدخول والخروج من الأبواب وتغيير الاتجاه وهبوط
درجات السلم وفتح الباب ودخول السيارة، ويتم التركيز على استعمال الحواس
الأخرى مثل السمع لتمييز الأصوات وتجنب الاصطدام مع الانتباه الشديد والفطنة والتحليل العقلي السريع.
-
تقوم مدربة الحركة بإعطاء الطالبات مبادىء على مهارات الطبخ والحياكة البسيطة في
إصلاح الملابس.
-
تقوم المشرفات بتدريب الأطفال على الاعتماد على أنفسهم في نظافة الجسم وارتداء
الملابس واستعمال الحمام وتناول الطعام وترتيب فراش النوم وخزائن الملابس والمحافظة على نظافة المكان.
-
تقوم المعلمات والمشرفات بتدريب الطالب على النطق السليم والامتناع عن أداء بعض
السلوكيات السيئة التي يمارسها العديد من المكفوفين مثل هز الرأس أو الجسم بحركات
مستمرة أو مص الإبهام أو قرط أظافر الأصابع أو القيام بحركات دوران للجسم أو تحريك
اليدين أو التصفيق أو حك الجسم باستمرار أو هز وضرب الرجلين بالأرض أو فرقعة
الأصابع أو الصياح أو القهقهة بصوت مرتفع أو إصدار أصوات غريبة.
-
تقوم المعلمات والمشرفات بتعويد الكفيف على تحمل المسؤولية في أداء العديد من
المهام والقيام بتجارب وتطبيقات عملية على الدروس بمشاركة الطلاب وكذلك تعويد
الطلاب على إلقاء القصائد والكلمات والمشاركة في أداء الفقرات الفنية المسرحيات والجلوس إلى التلفزيون وأشرطة الفيديو لاكتساب المهارات.
-
تقوم المعلمات والمشرفات بعمل مجسمات ووسائل توضيحية للأشكال كي يلمسها الطالب
الكفيف ويدرك الأشكال.
-
تسهم المدرسة في مساعدة الكفيف على الاعتماد على نفسه وزرع الثقة بالنفس ونزع
الخوف والتردد والريبة التي يعني منها غالبية الأطفال المعوقون بصريا.
-
تهتم الجمعية بشراء التجهيزات والوسائل المساعدة التي يحتاج إليها الكفيف في
حياته اليومية كما تهتم الجمعية بتوفير الوسائل الترفيهية والرياضية.
|