بسم الله الرحمن الرحيم
من صعوبات تدريس الخرائط للمكفوفين

زاوية من خزانة وجدار تصنع عالما مريحا يمكن الركون إليه لحياكة الأفكار على الورق، منها أبدأ مقالتي هذه بعبارة (مسافة الألف ميل تبدأ بخطوة) فهي تنطبق علي وتجربتي مع عالم الكفيف الواسع، ذو الحجرات المتداخلة التي ما تكاد تتعرف على واحدة حتى تدخل أخرى أكثر تشابكا بالمعلومات كما وكيفا. فقد كانت معلوماتي عن الكفيف قبل الانخراط معه لا تعادل واحد بالمائة، وخطوة خطوة أخذت أنسج بيوت معرفة كل تحت عنوان.

نعم بما أنني أتعامل معهم في تدريس مادة الاجتماعيات كان علي أن أتلمس الطرق المؤدية إلى إيصال المعرفة في هذا المجال للطالب الكفيف بأوضح صورة ، وكما يقال الحاجة أم الاختراع، فهذا ما دفعني للتفكير بابتكار وسائل معينة بسيطة، منها المجسم ومنها الخطوط التي تتشابك معا لتشكل ما يعرف بالخريطة (لكنها بمواد وطرق خاصة)، وأصبحت هذه المعينات هي اليد اليمنى لي وللطالب في آن واحد، لإيصال الحقيقة والمعلومة الجغرافية بطرق نوعا ما يسيرة، [وقد أشرت إليها في مقالي السابق مهارات تدريس الخرائط للمكفوفين على نفس الصفحة].

لكن في الحقيقة، لا تكاد تخلو طريق من العثرات والصعوبات، وإن كانت الإرادة تحطم شيئا منها، بالإضافة إلى القدرة على تجسيد الأفكار، وأنا الآن أضع بين أيديكم بعضا من هذه الصعوبات التي تواجهني في تدريس المواد الاجتماعية بما فيها الخرائط بشكل خاص:
   • فأول ما يطلب مني أو يفرضه الواقع التعليمي، أن أنمي عالم الخيال عند الطالب، ليستوعب ما أمليه عليه شفويا تمهيدا لتطبيقه على الخريطة ومن ثم القدرة على الربط بين هذه المواقع بالمخيلة، وهذا ليس بالشيء السهل، ويتطلب خطوات كما يتطلب الطفل ليثبت في خطواته ماشيا.
   • ومن جانب آخر وجدت أنه من الصعب تمثيل مجموعة كبيرة من الظواهر وإبرازها برموز معينة في خريطة واحدة، وكمثال على ذلك، أرى أنه يصعب تمثيل ظواهر مناخية وسكانية واقتصادية مثلا بنفس الخريطة، أو إبراز مواقع مدن دولة واحدة كاملة إلا إذا قمنا بتكبير حجم الخريطة.
   • من ناحية أخرى يصعب الكتابة بنظام برايل على كل الموجودات داخل الخريطة لكبر الحيز الذي يشغله نظام برايل، وإن كانت إحدى الزميلات مشكورة أسعفتني بفكرة إبراز المواقع بالأرقام وتوضيح مدلولها بالمفتاح.
   • هناك ملاحظة أخرى استنتجتها من خلال تجربتي المتواضعة خلال الثماني سنوات الماضية، وهي اختلاط الأمر على الطالب في المناطق المتشابهة المواصفات في أكثر من دولة.
   • أما بالنسبة للفترة الزمنية التي يستغرقها الكفيف في التعرف على منطقة ما فهي تختلف من شخص لآخر وإن كانت أضعاف ما يستغرقه زميله المبصر للتعرف على نفس المنطقة، بالإضافة لما يبذل من جهد، ووقت، وتكرار، لنفس المعلومة من قِبَلي كمعلمة حتى أصل بالطالب إلى ما أريد.
   • وكما أشرت سابقا لا أستطيع أن أعرض الكثير من المعلومات الجغرافية والمواقع على نفس الخريطة حيث أحتاج لأكثر من خريطة لدولة واحدة كل تتعلق بموضوع أو اثنين، حيث كلما زاد عرض المعلومات للكفيف بنفس الخريطة كلما صعب عليه الأمر.
   • هذا إلى جانب صعوبة استخدام أسلوب تعليم الأقران للخرائط كما في المواد الأخرى، تفاديا للوقوع في خطأ ما ونقله لزميله المتعلم.
   • من الصعوبات الأخرى التي لمستها هي سرعة إتلاف الوسائل لكثرة تلمسها مما يستدعي إعادة ترميمها أو تجديدها كلية من فترى لأخرى، ناهيك عن الحجم الكبير لهذه الخرائط لأستطيع تمثيل ما أريد عليها.
   • والمشكلة الأكثر بروزا بالنسبة لي عندما يكون الطالب المتعلم يعاني من ضعف في حاسة اللمس، حيث يصعب عليه تعلم مظاهر الخريطة كأقرانه الآخرين، فيحتاج لجهد ووقت مكثف.

في النهاية، أذيل مقالتي بشكري العظيم لله أولا الذي يعينني لخدمة هؤلاء الطلبة ثم شكري للقائمين على رعاية هذه الفئة من المجتمع في داخل هذه المؤسسة حيث لا أبالغ إذا قلت أن الله اختار أن يكون القائمون بحمل هذه الأمانة خير كفؤ، حيث النموذج الأول الذي يشرفني الاقتداء به لأعمل في هذه المؤسسة دون كلل أو ملل، وأسأل الله التوفيق لي ولهم في رعاية طلابنا أكاديميا وتربويا ودينيا ومعيشيا.

بقلم عفاف الخولي
معلمة المواد الاجتماعية
مدرسة القبس للإعاقة البصرية


favorite Links