|
ليت الليالي تعرف ما تخبئ لها حتى تستدير بوجهها
مبعدة عنه مأساة الدهر، وعن جوهر الحياة المؤلم المتظاهر بالحياء. وهو يطرق بيت
كفيف يذكره بالآلام التي تظاهر بنسيانها، فجاء الدخيل ليذكره بها، كيف كان في زمن
ليس ببعيد يلعب بين الحدائق ويتمشى بين الأزهار ويلهو بالتراب غير آبه بما سيتركه
من أثر على يديه، ويقارن بحاله التي أضحى عليها من عدم قدرته على رؤية الورود ذات
الألوان الجميلة التي لطالما بحث عنها في السهول.
دارت الصورة في ذهني، وتراكمت أحلام أطفال حقيقيين في نفسي فعزمت على زيارة مدرسة
القبس للإعاقات البصرية، وهناك رأيت كيف أن يد الدهر تطال الصغار والكبار ولا تفرق
بين أحد، وأجريت مقابلة مع أحد الطلاب الكفيفين ويدعى عز الدين الذي يبلغ من العمر
8 سنوات، كان طفلا جريئاً أثار اهتمامي وروى لي عن حلمه في أن يصبح بنّاءً، لكي
يبني بيتا له أو مسجداً أو متحفاً يعلق فيه ذكريات الماضي ويهجر فيه آمال الحاضر،
وبادر طفل آخر يدعى محمد يونس من الخليل الكلام وأزاح الستار عن أحلامه بأن يزور
مدينته مرة وقد خفق فيها العلم الفلسطيني ليعلن حريتها، واستغربت أن تكون هواياته
هي لعبة كرة القدم والقراءة واللعب على الحاسوب.
ومما لفت انتباهي هناك فتاة عرفت على نفسها بأنها من الصف العاشر وتدعى "ضراغمة"
من بلدة طوباس قضاء جنين وحدثتني عن المتاعب التي تواجهها أثناء زيارتها إلى أهلها
والتي تمتد إلى شهر وما تواجه من تعب ومشقة على الحواجز الإسرائيلية فالحاجز
العسكري يتفنن بتعذيب المارين عليه، مرة بأشعة الشمس وحرارتها، ومرة باستفزاز
الإنسانية فينا، كل ذلك لتوجيه الإهانة لكرامتنا، ولكن بالرغم من ذلك سنبقى صامدين.
وفي أثناء تجوالنا بين الصفوف، مررنا على الصف التاسع في هذه المدرسة وتعرفنا إلى
إحدى الطالبات التي تدعى "عهود جودة" ابنة عصام جودة الشهيد الذي تفنن المستوطنون
في قتله، فكانت جثته شاهدة على همجية ووحشبة الاحتلال، فقد حرم المحتل أسرة من
معيلها ويتّم ثلاثة – والابن فقد أجبر في مهده أن يصبح رجل هذه العائلة، وهو لم
يعرف بعد أسرار الطفولة، وهنا اكتفيت بالأسئلة، وشعرت أن ما رأيته يجعلني شاكرة
لله على ما وهبني.
وعندما هممت بمغادرة مبنى المدرسة لفت انتباهي نظافة المكان، والمعاملة اللطيفة
ومستوى الخدمات التي تقدم للكفيفين في هذا البناء. خرجت من باب المدرسة معترفة بما
قد تكنه هذه المدرسة من أحلام لأناس لم تجعلهم إعاقتهم خارج الزمان.
يراعات
اصدار مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي
|