|
||||||||
|
نجحت بمعدل 87.1 % في "التوجيهي" الفرع الأدبي |
|
عن وفا - شهناز حميد على نسق واحد ومرتب أخذت الكفيفة صفاء أمين أبو محسن تفرز ملابس العائلة وتطويها، بعد أن أكملت كيها في عملية كانت في غاية الإبداع والدقة، على الرغم من كونها كفيفة لا تبصر ما حولها. وتعتمد صفاء (18 عاماً) من مدينة طوباس شمال الضفة الغربية على حاسة اللمس في التعرف على أنواع الملابس وأحجامها وألوانها، وذلك في ذات الطريقة التي تتقن فيها تشغيل "المكوى" الكهربائي وتنظيم طاقته وإتقان عملية الكي بشكل تتفوق فيه علينا نحن المبصرين، وذلك وفقا لما أكدته الوالدة أم صدقي. وتقول أم صدقي لـ"وفا": إن ابنتها الوحيدة إلى جانب أربعة أبناء ذكور احدهم كفيف أيضاً (11 عاماً)، تتقن معظم الأعمال المنزلية وتتفوق عليها في بعض منها، وفي أحيان كثيرة تقوم صفاء بإعادة بعض الأعمال المنزلية التي أكون قد أنهيتها للتو، وذلك تعبيراً منها على عدم رضاها وإعجابها عن عملي ذاك ككي مريولها المدرسي أو حجابها مثلاً. وتشير هذه الأم التي تتعامل مع ولديها الكفيفين بشكل طبيعي، لدرجة أنها تنسى في كثير من الأحيان، إعاقتهما البصرية، إلى أنها أدركت أن صفاء تعاني من مشكلة وشيء غير طبيعي في نظرها منذ أن كانت صفاء في الشهر السادس من عمرها، مبينة أنها داومت على مراجعة الأطباء وإخصائيي العيون لسنوات عديدة قبل أن تسلم بقضاء الله وقدره، وبأن ابنتها كفيفة لا تبصر، قبل أن تمتحن باختبار آخر من الله تعالى عندما رزقت بالابن الأصغر محمد وهو كفيف أيضاً. وتوضح الأم أن درجة القرابة الأولى التي تجمعها مع زوجها ربما تكون السبب وراء عدم قدرة ابنيها على الإبصار؟ مؤكدة أنها تقبلت وضع صفاء منذ البداية، وعملت منذ سنتها الأولى على دمجها مع غيرها من أطفال الأقارب ومن ثم الجيران لتنطلق صفاء فيما بعد للحارة واللعب في ساحة الحارة، تماماً كما نظرائها المبصرين، وهو الأمر ذاته الذي اتبعته مع محمد الذي يندمج بشكل كبير في المجتمع الخارجي. وتقول صفاء: "منذ أن بلغت سن الخامسة بدأت أدرك تماماً أنني غير مبصرة وهو الأمر الذي تعاملت معه على أنه شيء عادي، بدليل أنني كن أقوم بجميع الأعمال والألعاب التي يتقنها أخوتي وأبناء عمي والجيران، بل كنت أتفوق عليهم في أحيان كثيرة. واليوم وقد باتت صفاء شابة، وقد أخذت تشق حياتها العلمية بتفوق تلو الآخر، لا زالت تذكر كيف أنها كانت الأبرع بين زميلاتها المبصرات في لعبتي "نط الحبل" و" الغماية " اللتين تحتاجان لتركيز بصري متناهٍ، إضافة إلى معرفتها لكافة المسارب والمنافذ المؤدية من وإلى الحارة حيث كانت تسكن. وتقول: إنها كانت تعتمد على نفسها في الحركة والتنقل في الأماكن التي تجولها يومياً كالبيت والحارة والذهاب للدكان المجاور أو غيره، وإنها تمتلك من الجرأة والثقة بالنفس قدراً كبيراً، يجعلها تتفوق على الكثيرين من أبناء جيلها، والذين ينعمون بنعمة حرمت منها منذ ولادتها قبل ثماني عشرة سنة. وتؤكد أن عملية اندماجها بالمجتمع الخارجي تحققت منذ سنواتها الأولى، وذلك بفضل الأهل الذين عاملوها كغيرها من إخوتها الآخرين وذلك قبل أن تنتقل إلى مرحلة جديدة من حياتها ومن اندماجها، والتي تمثلت في التحاقها بمدرسة القبس للإعاقة البصرية في مدينة رام الله، والتي مكثت فيها منذ الصف الأول الأساسي وحتى العاشر. وتابعت صفاء: "وهنا في رام الله لم أواجه أية مشكلة في التكيف والاندماج مع الطلبة في المدرسة، والذين كانوا يشاركونني فقدان البصر، وأن طبيعتها الاجتماعية وثقتها الكبيرة بنفسها كانت وراء تكيفها السريع مع ذاك المجتمع الجديد والأسرة الجديدة والعالم الجديد. وفي غرفة التدبير المنزلي الخاصة بالمدرسة، بدأت صفاء تتعرف على الأعمال المنزلية وأدوات المطبخ ومكونات الطعام، مشيرة إلى أنه كان للمدرسة الأثر الأكبر في تعلم أسس التدبير المنزلي إلى جانب الدور الكبير الذي تلعبه المدرسة في غرس الثقة في نفوسنا كمكفوفين. وتستذكر صفاء بعض المواقف والنفاهات المضحكة التي عايشتها وزميلات المدرسة في رام الله، كوضع الملح على الشاي واستبدال الملح بالسكر في الطعام، وهي الأمور التي كن يضحكن عليها كثيراً كما تقول. وكان للانتفاضة الحالية أثرها السلبي على صفاء وبقية زملائها من الطلاب والطالبات، حيث كانوا ينقطعون عن زيارة الأهل لمدة طويلة تصل إلى شهرين، بعد أن كانوا يزورون عائلاتهم أسبوعياً، وهو الأمر الذي كان مثار إزعاج وقلق لها. وعندما أنهت الصف العاشر الأساسي وهو آخر صف في المدرسة انتقلت صفاء لمتابعة دراستها في مدارس طوباس، وهو الأمر الذي أثار كثيراً من المخاوف لديها في البداية، ومخاوفها كانت تكمن في عدم تقبل المجتمع الخارجي لها سيما في المدرسة ولوضعها، ومن احتمال أن يعاملوها على أساس نوع من الشفقة والعطف، لكن والحمد لله مخاوفها تلك سرعان ما تبددت عندما استطاعت أن تحقق التكيف والاندماج ذاته الذي حققته في رام الله. وخلال أسبوع واحد فقط، استطاعت صفاء أن تكون دائرة واسعة من الصديقات من الطالبات وأن توطد علاقاتها بالمعلمات، وهو الأمر الذي ساعدها كثيراً على التفوق والاندماج في المدرسة. وأشارت إلى أنها أنهت الفصل الأول من الصف العاشر دون الكتب الخاصة، حيث لم تتوفر حينها الكتب المصممة وفق لغة بريل " لغة المكفوفين"، الأمر الذي جعلها تعتمد على والدتها، حيث كانت تقرا لها المادة مرة ومرتين إلى أن ترسخ في ذهنها كما تقول، موضحة أنها ورغم هذا الأسلوب الصعب في الدراسة إلا أنه وبفضل والدتها حازت على المرتبة الأولى بين طالبات صفها. وفي الثانوية العامة بذلت صفاء كل جهدها لتحافظ على التفوق ذاته، حيث وجدت الجو المناسب في البيت ودعم الوالدة ومساندتها أيضاً، حيث كانت تقرأ لها الأسئلة المقررة لتقوم هي بدورها بترجمتها للغة بريل. وذكرت أنها لجأت إلى أخذ دروس خاصة في اللغة الإنجليزية في أحد المراكز الأكاديمية في المدينة، وأنها كانت تعتمد في هذه الدروس على السمع المباشر من أستاذ المادة دون تدوينها.
وتقول: " كنت حريصة هنا على أن أخزن أية معلومة بذاكرتي وفقاً للأسلوب المتبع في
تدوينها على الكراس، وعندما استخدمها كنت أقلب ذاكرتي لأراجع هذه المادة أو تلك"،
موضحة أنها كانت تعتمد على زميلاتها الطالبات ومعلماتها في الامتحانات، حيث كانت
تملي عليهن الإجابة ليقمن هن بدورهن بتدوينها لها على ورقة الامتحان. وتابعت: "من هنا يأتي دور ذوي الاحتياج الخاص في التعامل مع المجتمع الخارجي، فبثقتي بنفسي أستطيع أن أفرض على الآخرين احترامي وقبولي كندٍ لهم، لكن مع الأسف هناك الكثيرون من الأهالي ممن يحجمون عن دمج أبنائهم من ذوي الاحتياج الخاص في المجتمع الخارجي أو حتى مع بقية أفراد الأسرة، بل أنهم يعتبرونهم في أحيان كثيرة عيباً ويخفوهم وينكروهم"، مؤكدة أن مثل هذا السلوك خطأ فادح بحق أولئك الأهالي قبل أن يكون بحق أبنائهم. ونوهت صفاء هنا إلى أنها لمست أن تقبل المجتمع لذوي الاحتياج الخاص يختلف وفقاً لطبيعة المجتمع، حيث لمست أن تقبل المجتمع لذوي الاحتياج الخاص في مدينة رام الله أكبر بكثير منه في طوباس، حيث طبيعة المجتمع قروية ريفية وعاطفية، وأن أكثر ما يزعجني عندما أسمع البعض يردد كلمات الشفقة عندما يرى شخصاً ذوي احتياج خاص، " كمسكين" و"الله يجبره" و" يا حرام"، مؤكدة على أنها لا تتورع تماماً في الرد على هؤلاء وتصويب مفهومهم الخاطئ. وأشارت إلى قلة المؤسسات التي تعنى بذوي الاحتياج الخاص، خاصة في منطقتها، إلى جانب عدم تكيف المؤسسات العامة سيما المدارس لتتناسب مع وضع هؤلاء الأشخاص، الذين بإمكانهم أن يحققوا نجاحات كبيرة وربما أكثر بكثير من الأشخاص الأصحاء. |
| كفيفة تبصر النور | نجحت بمعدل 87.1 % في "التوجيهي" الفرع الأدبي | إخلاص جبارة أقوى من الإعاقة | كاشف ألوان للمكفوفين | جامعة النجاح الوطنية تفتتح مركز حاسوب للمعاقين بصرياً |
| صفحة المواضيع |