من أخبار المكفوفين في فلسطين

رؤوفة عبيد من مخيم الشاطئ: أمنيتي أن أصبح طبيبة أو مهندسة

معجزة: كفيفة تبصر النور بعد قضاء 17 عاماً في الظلام... عجز الأطباء عن علاجها فتدخلت إرادة الله فأنارت لها الطريق

أول مرة في حياتي أرى وجهي ... أنا في حلم ... لم أصدق نفسي ... بعد أن أصبحت الحياة أمامي صعبة وأنا في بداية حياتي، أراد الله لي أن أبصر هذه الحياة وأرى الناس ... الحمد لله على منحته ... والشكر لأهلي على مساعدتهم لي أثناء فترة إعاقتي ... صعب أن أتخيل ماذا حدث ... حتى الطبيب الألماني الذي يتابع حالتي ذهل ولم يصدق وأول كلمات له كانت، معجزة تحدث في غزة أنا لم أصدق ما أرى بهذه العبارة عبرت الفتاة الفلسطينية رؤوفة سهيل عبيد ابنة – 17 عاماً والمعروفة بواسطة الأهل باسم (فيفي). عن فرحتها العارمة وعن ذهولها بما حدث فقالت (أنني صرت أصرخ في أعلى صوتي ... أمي ... أمي تعالي ... أنا أرى نفسي بالمرآة ... فبدأت أمي تطلق زغاريد الفرح ... وزوجة خالي بكت من كثرة فرحها لأنها كانت تحزن على وضعي.

تفاصيل المعجزة

((القُــدْس)) زارت منزل الفتاة رؤوفة لتعرف تفاصيل القصة المعجزة، فقالت أنني وكعادتي شرعت بغسل شعري في المغسلة وبعد أن انتهيت من ذلك وإذ برأسي يرتطم بصنبور المياه وعندها شعرت بارتجاج شديد جداً فنظرت إلى المرآة وإذا بي أرى وجهي في البداية لم أصدق ثم بعدها نظرت مرة أخرى فإذا بالشيء نفسه يتحقق ... فصرت أصرخ على الأهل وأسير بينهم وأقول لهم أنني أراكم وقمت بتعريفهم ... وبعد ساعات قررت الذهاب إلى الطبيب الذي عبر عن ذهوله فهو لأول مرة يرى مثل هذه الحالة النادرة ... واستغرب استغرابا شديدا ... وأجرى الفحوصات اللازمة وقال لي أن النظر عندك جيد وربما لا تحتاجين للنظارة بل وتصلحين لقيادة السيارات.

لم تعد بحاجة لأحد

وتقول رؤوفة أن أهم شيء في حياتها هو أنها لم تعد بحاجة لأحد وهي الآن تجهز نفسها وتستعد لأخطر مرحلة في حياتها ألا وهي الاستعداد لامتحان الثانوية العامة وكانت قبل تفكر كيف ستمر في هذه المرحلة وخاصة وأنها كانت كفيفة وتحتاج إلى مساعدة من الأهل ومن الطالبات ومن المدرسة، أما والآن وبعد أن عاشت فترة مع المكفوفين تقول أنا سأساعد المكفوفين وأتمنى أن أعمل في هذا المجال لأنني أنا عانيت ما يعانون وخضت في نفس مراحلهم، وأتمنى لهم الشفاء.

صاحبة موهبة فنية

رؤوفة صاحبة مواهب كثيرة وأهم هذه المواهب هي الرسم فهي تعتبر نفسها فنانة من الدرجة الأولى حيث أقامت رغم إعاقتها البصرية معرضاً فنياً لها، وكانت صعوبات كثيرة تواجهها ولكن بمساعدة والدتها تمكنت رؤوفة من عمل معرضها وقد أشاد الذين حضروا المعرض بأداء رؤوفة الفني، ومستواها الراقي.

وتقول رؤوفة أنني رغم إعاقتي البصرية استطعت تحقيق ما أريد وكنت باستمرار أقوم بالرسم حسب تخيلي للأشياء، أما في استخدامي للألوان فكنت أعتمد على اللمس لهذه الألوان خاصة أنني كنت أستخدم الألوان الزيتية.

حياة المدرسة

وتحدثت رؤوفة عن حياتها المدرسية فقالت إنها كانت صعبة للغاية وحيث كنت أذهب إلى المدرسة بدون كتب وكانت المعاملة معي خاصة من قبل معلماتي في المدرسة، والطالبات في المدرسة كن ينظرن إلي نظرة تؤلمني، وتجعلني أفكر على الدوام بتصرفاتهن، حتى أن الكتب المدرسية كانت لي متعبة فقد كانت كبيرة وكنت أواجه صعوبة في حملها مشيرة إلى أن اعتمادها الأساسي في المدرسة على السمع والإنتباه.

عائق أمام المستقبل

وأكدت رؤوفة الطالبةالمتميزة أن إعاقتها البصرية سبب دخولها القسم الأدبي، فأمنيتها بالحياة دراسة العلوم كي تصبح طبيبة أو مهندسة لكن قدرة الله منعتها، وقدرة الله أيضا هي التي أعادت إليها الحياة من جديد، فهي لحتى لحظات الحديث معنا وكأنها في حلم لم تصدق ما حدث حتى أنها تتحدث معنا وتحتضن إخوتها الصغار التي رأتهم من جديد، وتعرفت على ملامحهم البريئة. وتضيف رؤوفة أنها دخلت في مدرسة المكفوفين ولكن نظرا لظروفها خاصة تميزها تمت معاملتها معاملة خاصة من قبل إدارة المدرسة، وقالت إنني عشت معهم فترة تعلمت كيف يعيشون وكيف يتدبرون حياتهم وكنت أساعدهم، وفور شفائي من الإعاقة توجهت إليهم ودعوت لهم أن يصبحوا مثلي ليروا الناس ويروا الحياة.

أمنيتي أن أرى عروساً

كانت أمنيتي بالحياة خاصة عندما كنت أذهب أنا ووالدتي إلى الأفراح والمناسبات السعيدة أن أرى العروس بشكلها البهي الجميل، لكن أمي كانت تصف لي هذه العروسة، منوهة إلى أن الكفيف يعيش حياة صعبة خاصة في تحركاته بين الناس فهو يحتاج في كل حركة إلى من يقدم له المساعدة، فضلا عن أنك لا تجد الكثير من الناس من يعرفون كيفية التعامل مع الكفيف، فهم ينظرون له نظرة خاصة.

العمل مع المعاقين

وعند سؤال رؤوفة عن مستقبل حياتها قالت أطمح بعد تخرجي من الجامعة أن أدرس الفن والنقش وأن أعمل مرشدة ومساعدة في مركز لتأهيل المعاقين لكي أساعدهم، وهي الآن ناشطة في أكثر من مؤسسة وجمعية ومركز ثقافي فضلا عن أنها حاصلة على عدد من شهادات ورسائل الشكر التي قدمت لها من جمعيات ومؤسسات.
وقالت رؤوفة (كنت أبكي عندما أرى قوات الاحتلال تقصف المنازل وتهدمها وتشرد أطفالها وترهبهم، فلماذا هكذا حياتنا دمار وركام ... ألا يحق لنا العيش كباقي شعوب العالم ... في أمن واستقرار). وشكرت رؤوفة الله سبحانه وتعالى على منحته لها بأن أصبحت مبصرة ورأت الدنيا كلها بعد أن كانت لا ترى من الحياة غير السواد، وشكرت والدتها التي كان لها فضل كبيرة عليها حيث كانت تساعدها على الدوام وتشد من أزرها، وشكرت والدها الذي لم يبخل عليها حيث عرضها على كافة الأطباء وخاصة الأجانب الذين قالوا لا يوجد علاج لها ووضعها صعب، وشكرت صحيفة القدس على اهتمامها.

زغاريد الفرحة

التقينا والدة رؤوفة (أم مصطفى) عبيد (39 عاماً) والتي رحبت بنا أشد الترحيب واستقبلتنا بالحلويات، قالت أول ما شاهدت ابنتي لا أدري كيف خرجت من لساني زغاريد الفرح وقمت بإخبار الجيران على ما حدث ولحتى هذه اللحظة وأنا أتلقى التهاني والتبريكات بشفاء ابنتي البكر رؤوفة ... الحمد لله رب العالمين على ما حدث.

الرفق في التعامل مع المعاق

وأوجه رسالة لكل أمهات العالم أقول لهن (الرفق ... الرفق ... في تعاملهن مع ابنهم المعاق فهو في وضع صعب ويحتاج إلى مساعدة من قبل الجميع تضيف أم مصطفى أن ابنتها تم عرضها على كافة الأطباء وجميعهم قالوا أن لا علاج لها وسلمنا أمرنا لله ... إلا أن إرادة الله فوق كل شيء فهي الآن تعيش أحلى أيام حياتها.
وأضافت أم مصطفى إنها لحتى هذه اللحظة في حلم مما حدث وعلى الرغم من إنني شعرت في البداية من الخوف، إلا أنني بعدما رأيتها وأكدت لي أنها تراني، أيقنت أن البصر عاد لها.
وقالت أم مصطفى أن ابنتها كانت تحدثها عن فارس أحلامها وتتمنى أن يقبل إعاقتها ويقبل وضعها الإعاقي.

عجز الطب البشري

أما والدها أبو مصطفى فيقول أنني عرضت أوراق ابنتي على الكثير من الأطباء وكلهم قالوا لي أنه لا علاج لها، ثم عرضت أوراق ابنتي على مركز طبي كبير في روسيا، فقالوا لي أن علاجها صعب وغير موجود.
وطالب أبو مصطفى بإجراء فحص طبي كامل لعيني ابنته من قبل أطباء مختصين في دول أجنبية، شاكرا الإعلاميين على اهتمامهم بقصة ابنته وعلى حضورهم للمنزل.
أما أهالي معسكر الشاطئ الصغير فهرعوا إلى المنزل لرؤية المعجزة التي حدثت وسط ذهول واستغراب منهم، وبعدها بدأت التهاني والبرقيات تنهال على بيت رؤوفة المتواضع لتهنئتها بشفائها من المرض خاصة أنها فتاة في بداية حياتها.
وأخيرا نقول أن زمن المعجزات لم ينته وها هي قصة الفتاة رؤوفة معجزة تتحقق أمام أعين الجميع، فتتحول فتاة من كفيفة إلى مبصرة بإرادة ربانية بعد أن عجز الطب البشري بكل مبتكراته وتطوراته الكبيرة أن يرجع إليها بصرها ... فسبحان الله.

تحقيق: عماد الافرنجي وغسان الشامي /
غزة جريدة القدس 31/8/2004